ابن كثير

178

البداية والنهاية

ذهنه بعد ذلك ، ولد سنة أربع وعشرين ومائة ، وذلك غريب جدا . وذكروا أنه كان يدخله من ملكه في كل سنة آلاف دينار . وقال آخرون : كان يدخله من الغلة في كل سنة ثمانون ألف دينار ، وما وجبت عليه زكاة ، وكان إماما في الفقه والحديث والعربية . قال الشافعي : كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه . وبعث إليه مالك يستهديه شيئا من العصفر لأجل جهاز ابنته ، فبعث إليه بثلاثين حملا ، فاستعمل منه مالك حاجته وباع منه بخمسمائة دينار ، وبقيت عنده منه بقية . وحج مرة فأهدى له مالك طبقا فيه رطب فرد الطبق وفيه ألف دينار . وكان يهب للرجل من أصحابه من العلماء الألف دينار وما يقارب ذلك . وكان يخرج إلى الإسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبخه في مركب . ومناقبه كثيرة جدا . وحكى ابن خلكان أنه سمع قائلا يقول يوم مات الليث : ذهب الليث فلا ليث لكم * ومضى العلم غريبا وقبر فالتفتوا فلم يروا أحدا . وفيها توفي : المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي ، عرض عليه المهدي أن يلي القضاء ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم ، فقال : إني عاهدت الله أن لا ألي شيئا ، وأعيذ أمير المؤمنين بالله أن أخيس بعهدي . فقال له المهدي : الله ؟ قال : الله . قال : انطلق فقد أعفيتك . ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة فيها كان ظهور يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الديلم ، واتبعه خلق كثير وجم غفير ، وقويت شوكته ، وارتحل إليه الناس من الكور والأمصار ، فانزعج لذلك الرشيد وقلق من أمره ، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألفا ، وولاه كور الجبل والري وجرجان وطبرستان وقومس وغير ذلك . فسار الفضل بن يحيى إلى تلك الناحية في أبهة عظيمة ، وكتب الرشيد تلحقه مع البرد في كل منزلة ، وأنواع التحف والبر ، وكاتب الرشيد صاحب الديلم ووعده بألف ألف درهم إن هو سهل خروج يحيى إليهم ، وكتب الفضل إلى يحيى بن عبد الله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه ، وأنه إن خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد . فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده . فكتب الفضل إلى الرشيد بذلك ففرح الرشيد ووقع منه موقعا عظيما . وكتب الأمان بيده وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بني هاشم ، منهم عبد الصمد بن علي ( 1 ) ، وبعث الأمان وأرسل معه جوائز وتحفا كثيرة إليهم ، ليدفعوا ذلك جميعه إليه .

--> ( 1 ) وذكر الطبري منهم : والعباس بن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى 10 / 55 .